الشيخ جواد بن عباس الكربلائي

201

الأنوار الساطعة في شرح زيارة الجامعة

وأرفع محل وأبهى وأشرف منزلة . ثمّ إنه للحكمة الإلهية هبط إلى الأرض وتقيّد بعالم النفس والطبيعة فصار محجوبا عن المقام الأولي النوري ، وقد يعبّر عن هذا بالقوس النزولي ، ثمّ إنه تعالى أرسل الرسل وأنزل الكتب لكي يرجع الإنسان إلى ربه وإلى المقام النوري الأولي ، ويذكر العوالم السابقة ، ثم إن كيفية الرجوع إلى مقام اللقاء والمقام النوري يسمى بعلم السلوك والمشي فيه بالسلوك . وها نحن نشرع في كيفيته والمشي فيه بعونه تعالى . فنقول : قد علمت أن الإنسان له جهة ظاهرية تسمى بعالمه الملكي والمادي ، فله أحكام قد لوحظ فيها تعديله بنحو لا ينافي سيره الروحي إليه تعالى والمتكلَّف لبيانه علم الفقه ، وله جهة باطنية تسمى بعالمه الروحي والملكوتي ، ثمّ إنّ جميع مراتب أولياء اللَّه تعالى تقاس بالنسبة إلى عالمه الروحي والنفس الناطقة الانساني ، وهو في نفسه لطيفة ملكوتية كما تقدم . ثمّ إن السلوك الحقيقي عبارة عن تلقي الأنوار الربوبية ، والارتقاء بها إلى عالم القرب واللقاء ، وبيانه أنه قد حقق في محله أن ذاته المقدسة جلَّت آلاؤه هي منشأ لجميع الكمالات فكلَّها إشراقات للأرواح الإنسانية ، فأي روح كانت أقرب إليه تعالى فهي لا محالة أعرف به وتكون مظهرا له تعالى وقابلا لتلقي تلك الأنوار الربوبية . ثم إنّ السلوك ليس إلا تحصيل هذه الأنوار الإلهية وتلقّيها بالقلب والروح ، وهو لا يكون إلا بصيرورة الروح قابلا لهذا التلقي ، ومما يوضح لك هذا المثال وهو أن الشمس وهي جرم منير لا يمكن الاستضاءة منها إلا بمرآة صافية جلَّية تقابلها تستضيء منها مع تحقق المواجهة وعدم وجود مانع أو حائل ، فإذا تحققت هذه الأمور انعكست الشمس بما لها من الأنوار فيها ، ثمّ إذا كانت المرآة شاملة تسع لأن ينعكس فيها جميع ما للشمس من النور مثلا ، فهي لا محالة تكون أتمّ استشراقا